مصطفى صادق الرافعي

82

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

إنما هو الباب الذي خرج منه العقل الإنساني المسترحل ، بعد أن قطع الدهر في طفولة وشباب . وكل دين سماوي فإنما هو طور من أطوار النمو في هذا العقل الإنساني يستقبل به الزمن درجات جديدة في نشأته الأرضية ؛ فما التاريخ كله إلا مقياس عقلي درجاته وأرقامه هذه العصور المختلفة التي يستعين العقل منها مقدار زيادته من مقدار نقصانه . أما من وجه آخر فإن القرآن إنما هو الدرجة الأبدية التي أجاز عليها العالم في انتقاله من جهة إلى جهة « 1 » . وإنا لمستيقنون أن هذه الدرجة هي نفسها التي سيجيز عليها العالم كرة أخرى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ . وأما إن هذا القرآن معجزة التاريخ العربي خاصة وأصل النهضة الإسلامية ، فذلك بين من كل وجوهه ؛ غير أننا سنقول في الجهة التي تتصل بنشأة العلوم ، إذ هي سبيل ما نحن فيه من هذا الفصل ، وقد أومأنا إلى بدء تاريخ التدوين العلمي وبعض أسبابه في باب الرواية من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب ، فنقتصر هنا على موجز من أسباب النشأة العلمية . اختلف المسلمون في قراءة القرآن لعهد عثمان رضي اللّه عنه كما تقدّم في موضعه ، وبدأت ألسنة الحضريّين ومن في حكمهم من ضعاف الفطرة العربية ؛ تجنح إلى اللحن وتزيغ عن الوجه في الإعراب ، وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطراب كلام العرب فداخله الشيء الكثير من المولّد والمصنوع ؛ وذهب أهل الفتن يتأوّلون عن معاني القرآن ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، وخيف على سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهي الأصل الثاني بعد القرآن ؛ ثم فشا الجهل بأمور الدين ، وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه ، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقهوا فيه ، ثم تباينت آراء العلماء واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام وما يتأولون لها من الكتاب والسنّة ، واختلط أمر الناس ، وأقبلت عليهم الفتن كقطع الليل ، وامتدت إليهم كأعناق السيل ، فكان ذلك كله مما بعث العلماء أن يفترقوا على جهات القرآن ؛ حياطة لهذا الدين . وقياما بفروض الكفاية « 2 » ، يستقبل بعضهم بعضا بالرّفد والمعاونة ، ويأخذون على أطراف الأمر كله ، وهو أمر لم يكن

--> ( 1 ) أي من المشرق إلى المغرب . ( 2 ) كل علم نافع فهو في الشريعة الإسلامية فرض كفاية : إن لم يوجد في الأمة من يتحقق به أثمت الأمة جميعا ، وإن قام به البعض سقط عن الباقين . ولا يعرف مثل هذا الأصل الاجتماعي في غير الإسلام ، ولم ترتق الأمم الحديثة إلا به ، فإن لكل علم رجالا ينقطعون له ، يحيون به ويموتون عليه ، وهم درجات تبنى في تاريخ الإنسانية ، فالإسلام كما ترى يفرض على أهله أن يبنوا في هذه الإنسانية ، والأمم تفعل ذلك تطوعا وللحاجة ، وبهذا يكون الإسلام أصلا في التشريع الاجتماعي . وما عداه كالفرع .